الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

154

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ونظم الكلام على هذا الأسلوب بجعل ما جِئْتُمْ مسندا إليه دون أن يجعل مفعولا لفعل سَيُبْطِلُهُ ، وبجعله اسما مبهما ، ثم تفسيره بجملة جِئْتُمْ بِهِ ثم بيانه بعطف البيان لقصد الاهتمام بذكره والتشويق إلى معرفة الخبر ، وهو جملة إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ثم مجيء ضمير السحر مفعولا لفعل سَيُبْطِلُهُ ، كل ذلك إطناب وتخريج على خلاف مقتضى الظاهر ، ليتقرر الإخبار بثبوت حقيقة في السحر له ويتمكّن في أذهان السامعين فضل تمكن ويقع الرعب في نفوسهم . وقوله : السِّحْرُ قرأه الجمهور بهمزة وصل في أوله هي همزة ( ال ) ، فتكون ( ما ) في قوله : ما جِئْتُمْ بِهِ اسم موصول ، والسحر عطف بيان لاسم الموصول . وقرأه أبو عمرو ، وأبو جعفر ألسحر بهمزة استفهام في أوله وبالمد لتسهيل الهمزة الثانية ، فتكون ( ما ) في قوله : ما جِئْتُمْ بِهِ استفهامية ويكون ( آلسحرَ ) استفهاما مبينا ل ( ما ) الاستفهامية . وهو مستعم في التحقير . والمعنى : أنه أمر هين يستطيعه ناس كثيرون . و إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ خبر ( ما ) الموصولة على قراءة الجمهور ، واستئناف بياني على قراءة أبي عمرو ومن وافقه وتأكيد الخبر ب ( إن ) زيادة في إلقاء الرّوع في نفوسهم . وإبطاله : إظهار أنه تخييل ليس بحقيقة ، لأن إظهار ذلك إبطال لما أريد منه ، أي أن اللّه سيبطل تأثيره على الناس بفضح سره ، وأشارت علامة الاستقبال إلى قرب إبطاله ، وقد حصل ذلك العلم لموسى - عليه السلام - بطريق الوحي الخاص في تلك القضية ، أو العام باندراجه تحت قاعدة كلية ، وهي مدلول إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ . فجملة : إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ معترضة ، وهي تعليل لمضمون جملة إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ، وتذييل للكلام بما فيه نفي الإصلاح . وتعريف الْمُفْسِدِينَ بلام الجنس ، من التعميم في جنس الإصلاح المنفي وجنس المفسدين ليعلم أن سحرهم هو من قبيل عمل المفسدين ، وإضافة عَمَلَ إلى الْمُفْسِدِينَ يؤذن بأنه عمل فاسد ، لأنه فعل من شأنهم الإفساد فيكون نسجا على منوالهم وسيرة على معتادهم ، والمراد بإصلاح عمل المفسدين الذي نفاه أنه لا يؤيده . وليس المراد نفي تصييره صالحا ، لأن ماهية الإفساد لا تقبل أن تصير صلاحا حتى ينفى تصييرها كذلك عن اللّه ، وإنما إصلاحها هو إعطاؤها الصلاح ، فإذا نفى اللّه إصلاحها فذلك بتركها وشأنها ، ومن شأن الفساد أن يتضاءل مع الزمان حتى يضمحل . ولما قدم قوله : إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ علم أن المراد من نفي إصلاحه تسليط أسباب